من أجل إنهاء سياسات التجارة والاستثمار الاستعمارية في منطقتنا

منظمة التجارة العالمية : هيمنة الأقوياء على المبادلات التجارية العالمية

إنّ حدّة الأزمة الرأسمالية تتجلّى بالأساس في الأزمات البنكية والديون العمومية والخاصة بالبلدان المصنّعة، وكذلك باشتداد حدّة التنافس بين هذه البلدان في سبيل الهيمنة على مناطق في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية عبر حروب تجارية.

وقد بُعثت منظمة التجارة العالمية وأنيطت بها مهمّة هيكلة وتعزيز تحرير التجارة. وتعمل المنظمة بالتنسيق مع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. فإذا أردنا التبسيط نقول أنّ الإقتراض من صندوق النقد الدولي يؤدّي الى إرساء ترسانة من الإصلاحات الهيكلية التي توجّه الإقتصاد نحو التصدير وتحرير السوق لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر الذي من المفترض أن يعزّز صادرات البلاد. أمّا البنك العالمي فيفترض أن يموّل المشاريع ويوجه الإستثمارات نحو التصدير. كما تسعى منظمة التجارة العالمية إلى ضمان انسياب التجارة بأكبر قدر من السلاسة واليسر والحرية.

وهنا نحن لا نتكلم عن حرية الشعوب في اختيار مصيرها بل عن ضمان حرية حركة رأس المال والتجارة الحرة وضمان الحرية التامة للمستثمرين. فهذه المنظمة تعمل على ترويج إنتشار إتفاقيات التبادل الحرّ متعددة الأطراف، وهي إتفاقيات فوق التشريع الوطني. وبالتالي تفرض منظمة التجارة العالمية على الدول الموقعة على هذه الاتفاقيات تعديل قوانينها الداخلية  من أجل  احترام محتوى هذه الاتفاقيات.

إلا أنّ المزيد من الإنفتاح وإتصال أقوى بالسوق العالمية يشكل عقبة أمام تنمية بلدان الجنوب. إذ يولّد الإندماج الكامل لدول الجنوب في السوق العالمية عجزًا هيكليًا في الميزان التجاري بسبب نموّ الواردات بشكل أسرع من الصادرات. و يُموّل هذا العجز بالأساس عن طريق الإقتراض الخارجي، وبالتالي ستجد معظم دول الجنوب نفسها في الحلقة المفرغة للديون والتبعية.[1]

يبرز هنا إذن العمل الجماعي  والأدوار المنسجمة بين المؤسسات الدولية المعروفة بالثالوث (صندوق النقد، البنك العالمي، منظمة التجارة) من جهة، كما ينكشف من جهة أخرى  الطابع الاستعماري لهذه الحرب التجارية. إذ تطمح البلدان الغنية إلى تحقيق نموّ لا متناهي يحقق أرباح لا متناهية عبر ضمان إنتاجية واستهلاك لا متناهيّيْن. ولكن العائق الحقيقي هنا يتمثل في كيفية تحقيق نمو لا متناهٍ في عالم ذي موارد متناهية. فمهما كان المورد فإنّه محدود داخل الحدود الجغرافية للبلد المصنّع، مما أدى في الماضي إلى توسيع هذه الحدود الجغرافية بالإستعمار المباشر. أمّا بعد استقلال البلدان المستعمَرة فقد صار يحصل ذلك من خلال هيمنة البلدان الغنية على السياسات الداخلية للبلدان المقتِرضة عبر مؤسسات بريتون وودز و منظمة التجارة العالمية.

احتداد الأزمة العالمية والمنافسة: الجيل الجديد من الاتفاقات التجارية

في الحقيقة يوجد العديد من أشكال اتفاقيات التبادل الحر. لكن منظمة التجارة متخصّصة، بموجب تشكيلتها، في الإتفاقيات متعددة الأطراف بشأن التجارة في السلع، في الخدمات، وفي الجوانب المتصلة بالتجارة من حماية لحقوق الملكية الفكرية، وإجراءات الاستثمار. ويتمثل عملها في إرساء تحرير هذه المجالات من خلال سلسلة من المفاوضات التجارية التي انعقدت تحت راية الإتفاقية العامة للتعريفات والتجارة « الجات » سابقا، وتَواصل هذا العمل تحت راية منظمة التجارة العالمية إلى حدود قمة الدوحة للمفاوضات التجارية عام 2001، والتي أُعلِنَ عن فشلها في 2008. وكانت أكبر أوجه الخلاف بين الدول المهيمنة مثل دول الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وبين دول الجنوب مثل الهند، البرازيل، الصين، وجنوب إفريقيا حول تحرير القطاع الفلاحي وعدم التكافؤ بين المساعدات والدعم الذي تقدمه الدول المهيمنة إلى مزارعيها والمساعدات والدعم الذي يجب تقديمه للمزارعين في دول الجنوب قبل إنفتاح أسواقها على العالم[2]. وبما أن النقاشات تتم بين جميع الدول على حد السواء – يعني أنّ لكل دولة صوت – فقد تمكنت دول الجنوب بالاعتماد على تمشٍ متحد ومتضامن من الدفاع عن قطاعاتها الفلاحية الهشة. اذ يعني تحرير السوق، بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية، إجبار دول الجنوب على التخلي عن أي شكل من أشكال حماية اقتصادها وفتحها للشهية الشرسة للشركات العابرة للقارات.

كما يعود أيضا فشل المفاوضات متعددة الأطراف داخل منظمة التجارة العالمية لاعتبارات عديدة تعنى بالبلدان المهيمنة، كالتناقض بين مختلف الامبرياليات، والتنافس على مواقع التأثير. وتنتهج إدارة دونالد ترامب سياسة تجارية انفرادية عدوانية تجاه الصين والإتحاد الأوروبي وتجاه القوى الإقتصادية الأخرى، ممّا دفع بالقوى الصناعية الكبرى إلى تكثيف الاتفاقيات الثنائية والجهوية في إطار هذا التنافس على الهيمنة على مناطق في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.[3]

فبالتوازي مع نقاشات المنظمة التجارة العالمية، غيّرت هذه البلدان المهيمنة استراتيجياتها من مقاربات إقليمية مبنية على إتفاقيّات التعاون إلى مقاربات ثنائية مبنية على إتفاقيات الشراكة. فقد وقّعت المغرب والأردن والبحرين إتفاقيات شراكة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية بين 1995 و2002، ووقّعت تونس والمغرب ومصر والأردن ولبنان اتفاقيات شراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي في نفس الفترة الزمنية، إلا أنّ هذه الاتفاقيات لم تشمل سوى القطاع الصناعي[4]. فنلاحظ الآن، وبعد فشل نقاشات دورة الدوحة، كيف برزت مقاربة جديدة خاصة بكل بلد.

وبناء على ذلك، انخرطت تونس والمغرب منذ 2015 في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمّق الذي يوافق إتفاقيات الشراكة السابقة ويتجاوزها في آن، ببعديه: « الشامل » و « المعمّق ». وهو ما يفرض على تونس والمغرب، إبان التوقيع عليه، إجراء تغييرات عميقة لا رجعة فيها على السياسات الوطنية العامة. ويتميز الجيل الجديد من اتفاقيات التبادل الحر بطابعه « الشامل » من خلال دمج جميع ميادين الإنتاج والعمل، و بطابعه « المعمّق » من خلال التقريب بين المعايير الموحّدة والتشريعات في تونس والمغرب مع تلك المعتمدة في الإتحاد الأوروبي. وهذا ما يبرهن على طابعه الإستعماري الجديد وغير  الديمقراطي. فعلى تونس و المغرب اتبّاع المعايير والتشريعات الأوروبية، بما أنّ هذا الإتفاق له مرتبة أعلى من التشريع الوطني، في قطاعين إثنين اضافيّيْن هما الفلاحة والخدمات كما أنّه ينقسم إلى العديد من المجالات بما يشمل  كل جوانب هذه القطاعات.

تأثيرات حقوق الملكية الفكريّة وحماية الاستثمار في خضم جائحة كورونا

يمكن اعتبار مجاليْ حقوق الملكية الفكريّة وحماية الإستثمار من أكثر المجالات التي تحظى بإهتمام عميق جراء جائحة كورونا.

ولعلّ حماية المستثمر مرتبطة في الأذهان بشكل مباشر بتسوية المنازعات بين الدولة والمستثمر. إذ أسال هذا المجال كمية هائلة من الحبر في أوروبا خلال نقاشات إتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.[5] ويمكّن نظام محكمة الإستثمار المستثمرين من مقاضاة الدول القومية على الممارسات التمييزية المزعومة، وهو آلية تمكّن من فرض شروط رأس المال والشركات الكبرى والعابرة للقارات على الدول التي يُفرض عليها ضمان أرباح الشركات على حساب مصالح الأُجراء والفئات الشعبية. فلا يحقّ للدول تغيير قوانينها لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والحقوق المدنية والسياسية لشعوبها عبر تقليص أرباح هذه الشركات، حسب تقدير نفس هذه الشركات[6]. فعلى سبيل المثال قررت الحكومة المصرية إثر المسار الثوري الذي عاشته مؤخرا تغيير قانون الشغل لصالح العمال والزيادة في الراتب الأدنى، إلا أنّ الدولة المصرية وجدت نفسها محلّ تتبّع قضائي من شركة فيوليا، وهي شركة عابرة للقارات، وذلك لأنّ الأخيرة قدّرت أنّ هذه الإضافة ستحرمها من أرباح مستقبلية. وهنا نلاحظ كيف تكرّس منظومة حماية الإستثمار هشاشة الشغل، غياب الحريات النقابية، والأجور المنخفضة.[7]

وبالنظر للوضع الحالي في منطقتنا، ستلجأ دولها إلى رسم خطط سياسية وإقتصادية وإجتماعية جديدة للإجابة على الأزمة التي نعيشها الآن. إلّا أنّ هذه الخطط يجب أن تأخذ بعين الإعتبار أرباح الشركات الكبرى لا حياة شعوبنا. وفي حال لم تمتثل الدول إلى ذلك فهي مهددة بهذه المحاكم الدولية. فحماية الإستثمار كما تنصّ عليها إتفاقيات التبادل الحر تُكرّس وضع التبعية البنيوية لبلداننا ونهب ثرواتها، فأكثر من 50 بالمائة من قضايا القارة الإفريقية في المحكمة الدولية للإستثمار هي قضايا تخصّ منطقتنا المغاربية، وخاصة منها الجزائر وليبيا، وكذلك مصر. مع العلم أنه في أكثر من 60 بالمائة من الحالات، تنصف هذه المحاكم المستثمر على حساب الدول. كما أنه من المهم الإشارة إلى أن هذه القضايا باهظة التكاليف بالنسبة للبلدان الفقيرة، وهي تُعدّ وصمة سلبية لها، في أوساط المستثمرين، حتى في حال كسبها للقضية.[8]

أمّا في ما يخصّ حماية الملكية الفكرية، فلهذا الموضوع علاقة  مباشرة بنفاذ الشعوب إلى الصحة والدواء. اذ أنّ حقوق الملكية الفكريّة تشمل أساسا براءات الاختراع في مجال الأدوية. إلا أن إتفاقيات التبادل الحر والجيل الجديد من هذه الإتفاقيات ينحو نحو تقييد هذه الحقوق لضمان الربح للشركات المصنعة للأدوية، حتى لو كان ذلك على حساب صحة الشعوب.[9] إذ تعتمد هذه الإتفاقيات تمديد الحماية من خلال براءة الإختراع.  وبما أن الشركات التي تصنع الدواء تلتجئ الى براءة الإختراع لاحتكار السوق، فإنّه كلّما طالت مدّة هذا الإحتكار، كلما تسبّب ذلك في إرتفاع أسعار الأدوية مقارنة بالأدوية الجنيسة، وهي أدوية لديها نفس التأثير لكن تكلفتها أقل من الدواء الأصلي. لذلك، كلّما إمتدّت فترة براءة الإختراع، ازدادت الحاجة إلى مزيد من الوقت لتخفيض أسعار الأدوية وإستفادت الصناعة الصيدلانيّة.[10]

وعليه، يترتّب على التمديد في مدة براءة الاختراع، عدم قدرة عدد كبير من الناس على التداوي لمدّة أعوام عدّة لضعف مداخيلهم الماليّة، كما كان هذا الحال في البحرين. ففي اتفاق التبادل الحر بين الولايات المتحدة الأمريكية والبحرين، كانت الثانية مضطرّة إلى تمديد الحماية بسبب براءة الإختراع  وكذلك إلى أخذ الآجال المُسجّلة في البلدان المهيمنة بعين الإعتبار، ممّا أدّى إلى إرتفاع أسعار الدواء لمدة أطول.[11]

كما تنص هذه الاتفاقيات على حصريّة البيانات المتصلة بتصنيع وإنتاج الدواء. وتحول هذه الحصريّة دون النفاذ إلى الأدوية بأسعار مقبولة كما تبيّنه التجربة الأردنيّة في اتفاق التبادل الحر بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكيّة ، اذ ارتفعت أسعار الأدوية بـ 20 % منذ إنفاذ حصريّة البيانات.[12]

 فإذا أخذنا الوضع الراهن ووُجد مثلا تلقيح أو دواء ضد وباء الكورونا فلن تستطيع البلدان الفقيرة الحصول عليه. فهي ستجد نفسها عالقة وغير قادرة على التوفيق بين التزاماتها في مجال الاتفاقيات الدولية والثنائية من جهة، والتزاماتها تجاه مواطنيها بأن توفّر لهم الأدوية الأساسيّة والحيويّة وأن تيسّر نفاذهم إليها من جهة أخرى. وإذا تم تطبيق أحكام اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمّق في السياق الحالي، سيكون له تبعات على أسعار الأدوية الحاصلة على براءة اختراع وعلى الصناعات الجنيسة بصفة عامة، ممّا من شأنه أن يهدّد النفاذ إلى الأدوية بأسعار معقولة.

الخيار الشعبي: إسقاط إتفاقيات التبادل الحر

إن السياسات التي يوصي بها البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية متناسقة تمامًا وتتبع جدول أعمال دقيق ومتعدد الأوجه (سياسي، اقتصادي، مالي، جيواستراتيجي، إلخ). وبالتالي لا يجب أن تتوقف الحركات الاجتماعية عن الصمود في وجهها.

نحن الموقعون والموقعات على نداء الشعوب والمنظمات والحركات والشبكات المناضلة بمنطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط/المنطقة العربية من أجل إلغاء المديونية واسقاط اتفاقيات التبادل الحر، ودعما المكاسب الانتفاضات الشعبية في منطقتنا من أجل الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، نطالب بإلغاء اتفاقيات « التبادل الحر » واتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق بالنسبة لتونس والمغرب وإحداث قطيعة مع ثالوث الرأسمال العالمي: البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. ونسعى إلى تنظيم حملة منظمة، موحدة في الزمان والأهداف على المستوى الإقليمي، للتشهير بالمضمون الإستعماري لاتفاقيات التبادل الحر.


[1] CATDM (2020) L’ABC de l’Organisation mondiale du commerce (OMC) qui est en panne.

[2] الموقع الرسمي لمنظمة التجارة العالمية بشأن جولة الدوحة

[3] CATDM (2020) L’ABC de l’Organisation mondiale du commerce (OMC) qui est en panne.

[4] Regional Trade Agreements Database

[5]  Transnational Institute (2016) Legal statement on investment protection in TTIP and CETA

[6] Alexander Beunder & Jilles Mast (2019) As the world meets to discuss ISDS, many fear meaningless reforms. Transnational Institute (TNI).

[7] Des tribunaux pour détrousser les Etats – Le monde diplomatique

[8] التحكيم في منازعات االستثمار على الدول األفريقية باألرقام

[9] إيمان اللواتي (2020) حقوق الملكية الفكرية واتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق: هل تشكل تهديدا أمام النفاذ إلى الأدوية؟ المرصد التونسي للإقتصاد

[10] Correa C. M. (2004). Ownership of knowledge–the role of patents in pharmaceutical R&D. Bulletin of the World Health Organization, 82(10), 784–790.

[11] World Health Organization, Regional Office for the Eastern Mediterranean (‎2010) Public health related TRIPS-plus provisions in bilateral trade agreements: a policy guide for negotiators and implementers in the WHO Eastern Mediterranean Region

[12] Armouti, W., Nsouri Mohamed F.A., (2016) Data Exclusivity for Pharmaceuticals: Was It the Best Choice for Jordan Under the U.S.- Jordan Free Trade Agreement? Oregon Review of International Law, 17(2), pp.260-296.

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

Créer un nouveau site sur WordPress.com
Commencer
%d blogueurs aiment cette page :